علي بن أحمد الحرالي المراكشي

94

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

ولما كان الورع كف اليد ، ظاهراً ، عن الشيء الضار ، كانت الجوارح لا تنقاد إلا عن تأثر من النفس ، لم يصح الورع ظاهرا إلا أن تقع في النفس روعة باطنة من تناول ذلك الشيء . ولما كانت النفس لا تتأثر إلا عن تبصرة القلب ، لم يصح أن تقع روعة النفس إلا عن تبصر القلب في الشيء الضار ، كما لا تنكف اليد إلا عند تقذر النفس لما تدرك العين قذره ، حتى إن النفس الرضية تأنف من المحرمات كما يأنف المنتظف من المستقذرات ، فأكلة الحرام هم دود جيفة الدنيا ، تستقذرهم أهل البصائر ، كما يستقذرون هم دود جيف المزابل . ولما كان الحرام ما يضر العبد في جسمه ، كالميتة ، تيسر على المتبصر كف يده عنها ، لما يدري من مضرتها بجسمه ، وكذلك الدم المسفوح ، لأنه ميتة بانفصاله عن الحي ، ومفارقته لروح الحياة ، التي تخالطه في العروق ، وكذلك ما يضر بنفسه كلحم الخنزير ، لأنه رجس ، والرجس هو خبائث الأخلاق التي هي عند العقلاء أقبح من خبائث الأبدان ، وذلك لأن من اغتذى جسمه من لحم حيوان اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الحيوان ، وتخلق من أخلاقه ، وفي نفس الخنزير مجامع رذائل الأخلاق ، من الإباء والحران والمكر ، والإقدام على ما يعاين فيه الهلاك ، ومتابعة الفساد ، والانكباب على ما يقبل عليه من أدنى الأشياء ، على ما ظهرت في خلقته آياته ، فإنه ليس له استشراف كذوات الأعناق . وكذلك ما يضر بهما وبالعقل ، كالخمر في نزفها للعقل وتصديعها للرأس ، وإيقاعها العداوة والبغضاء في خلق النفس ، ولذلك هي جماع الإثم ، فالمتبصر في المحرمات يأنف